حيدر حب الله
48
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الاستدلال ؟ * أولًا : لو سلّمنا أنّ معنى ( جاهدوا فينا ) هو جهاد النفس ، فإنّ غاية ما تدلّ عليه الآية الكريمة هو أنّ الله يهدي أولئك الذين يعملون على تهذيب نفوسهم وتطهيرها من المساوئ الأخلاقية والانحرافات الروحية ، لكنّ الآية لا تشير إلى طبيعة الهداية ، وهل هي هداية عبر الكشف القلبي أم هداية العقل وتصويب الفكر والسلوك ؟ فهذا مثل قولك : طهّر قلبك وسوف أعلّمك علم الفيزياء ، فهو لا يعني أنّ تطهير القلب هو وسيلة مباشرة بحيث لا دور للعقل في معرفة الفيزياء . نعم ، الآية مهمّة من جانب آخر سبق أن أشرتُ إليه في كتابي ( مسألة المنهج في الفكر الديني ) ، وهو أنّ تهذيب النفس وتقويم الشخصيّة الإنسانية له دور في الهداية ورؤية الحقّ ؛ لأنّ النفس المريضة الخاضعة لأهوائها وميولها سوف تخضع في فكرها في كثير من الأحيان لهذه الميول ، الأمر الذي سوف يؤدّي إلى انحراف في الفكر والمعرفة ، فحبّ الأنا قد يفضي بالإنسان إلى إنكار الحقّ عندما يكون الحقّ لغير مصلحته وأنانيّته ، وسيفضي الغضب إلى التسرّع في إصدار الأحكام والمواقف الثقافيّة والدينية ، وستكون النفس المصلحيّة التي تتبع المال والجاه مستعدّةً لإقناع ذاتها بصحّة منهج أو مذهب فكري معيّن ؛ لأنّ هذه النفس تنتفع بهذا المنهج وتعتاش عليه . نعم ، العلاقة وطيدة وفي غاية المتانة والوثوق بين الأخلاق والمعرفة ، وهذا شيء يكاد يكون واضحاً ، لهذا كانت لي ملاحظة متواضعة على مثل مشروع الدكتور محمّد عابد الجابري ، في أنّه اعتبر ، أو فلنقل : حصر المشكلة في العقل العربي ، فيما أعتقد شخصيّاً أنّ هناك وجهاً آخر للمشكلة ، وهو عبارة عن